السيد كمال الحيدري

298

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

لنا معهم ، وإما لأنهم لم يفقهوا المراد من هذه المفاهيم : ( التنزيل والتأويل والإقراء ) ، فحصل الخلط لديهم في توجيه هذه الروايات ، سواء كانوا من خارج مدرسة أهل البيت أو من داخلها ، وما ذلك إلا بسبب البعد عن المضامين الحقيقية لهذه المفاهيم وغيرها ، فالمتتبّع اليوم الذي لا يملك ثقافة النصّ يفهم من هذه الألفاظ والمفاهيم معنىً يؤدّي به إلى جعْل هذه الروايات في دائرة الروايات الدالّة على التحريف ، بينما كانت هذه الألفاظ في عصر صدورها بعيدة عن معانيها المستحدثة بل أجنبيّة عنها . إنّ من يملك لغة النصّ وثقافته يُدرك جيداً بأنَّ أكثر الألفاظ والتعابير استعمالًا في الصدر الأوّل من تأريخ الإسلام في لسان الروايات هو : ( كنّا نقرأ كذا ) ، وأنَّ : ( تنزيله كذا ) ، وأنَّ الآية الكذائية : ( هكذا نزلت ) ، وأنَّ قوله تعالى : ( تأويله كذا ) ، فماذا يُراد من هذه الألفاظ والاصطلاحات في المقام ؟ أما الإقراء فقد ذكر بعض الأعلام المعاصرين في مورد هذا الاصطلاح والتطوّر التاريخي لهذه اللفظة ما خلاصته : ( كان معنى الإقراء على عهد الرسول إلى سنوات من بعده بمعنى تعليم تلاوة اللفظ وتعليم معناه ، والمقرئ من يعلم تلاوة لفظ القرآن مع تعليم معنى اللفظ . . . . وأصبح بعد انتشار تعلّم القرآن يُستعمل الإقراء في أحد المعنيين ، وهو تعليم معنى الآيات التي تحتاج إلى تفسير . . . ) « 1 » ، والذي يُؤيّد ذلك ما رواه البخاري عن ابن عبّاس أنّه قال : ( كنت أُقرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف ، فبينما أنا في منزله بمِنى وهو عند عمر بن الخطّاب في آخر حجّة حجّها . . . ) « 2 » . وها هنا نكتة مهمّة وهي أنَّ عبد الرحمن بن عوف قد أسلم في مكّة في

--> ( 1 ) انظر : القرآن الكريم وروايات المدرستين ، للسيّد مرتضى العسكري : ج 1 ، ص 291 . ( 2 ) صحيح البخاري : ج 8 ، ص 25 ، ح 6830 ، باب رجم الحُبلى من الزنا . .